الشيخ الطوسي
337
التبيان في تفسير القرآن
الكتاب وتكفرون ببعض " القصد بذلك توبيخهم وتعنيفهم على سوء افعالهم . فقال : ثم أنتم بعد اقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم : " لا تسفكوا دماءكم ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم " تقتلون أنفسكم يعني يقتل بعضكم بعضا . وأنتم مع قتلكم من تقتلون منكم . إذا وجدتم أسيرا منكم في أيدي غيركم من أعدائكم تفدونهم . ويخرج بعضكم بعضا من ديارهم ، وقتلكم إياهم واخراجكم إياهم من ديارهم حرام عليكم كما حرام عليكم تركهم اسرى في أيدي عدوكم . فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم . وتستجيزون قتلهم وهما جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم سواء ، لان الذي حرمت عليكم من قتلهم واخراجهم من دورهم نظير الذي حرمت عليكم من تركهم اسرى في أيدي عدوهم . " أفتؤمنون ببعض الكتاب " الذي فرضت عليكم فيه فرائضي وبينت لكم فيه حدودي ، واخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي ، فتصدقون به فتفادون أسراكم من أيدي عدوكم ، وتكفرون ببعضه فتجحدونه فتقتلون من حرمت عليكم قتله ، من أهل دينكم ومن قومكم ، وتخرجونهم من ديارهم وقد علمتم ان في الكفر منكم ببعضه نقضا منكم في عهدي وميثاقي . وقوله : " فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا " فالخزي : الذل ، والصغار يقال خزي الرجل يخزى خزيا . " في الحياة الدنيا " يعني في عاجل الدنيا قبل الآخرة . ثم اختلفوا في الخزي الذي خزاهم الله بما سلف منهم من المعصية فقال بعضهم : ذلك حكم الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وآله من اخذ القاتل بما قتل ، والقود به قصاصا ، والانتقام من الظالم لمظلوم . وقال آخر : بل ذلك هو الجزية منهم - ما أقاموا على دينهم - ذلة لهم وصغارا وقال آخرون : الخزي الذي خزوا به في الدنيا إخراج رسول الله صلى الله عليه وآله بني النضير من ديارهم لأول الحشر . وقيل : مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم . وكان ذلك خزيا في الدنيا وفي الآخرة عذاب عظيم ومعنى قوله : " يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب " أي أسوء العذاب ، يعني بعد الخزي الذي يحل بهم في الدنيا يردهم الله إلى أشد العذاب - الذي أعده الله لأعدائه .